أحمد بن محمود السيواسي

89

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أسبت إذا دخل في السبت ( لا تَأْتِيهِمْ ) الحيتان ( كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ ) أي مثل ذلك البلاء الشديد والاختبار نختبرهم ( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) [ 163 ] أي بسبب فسقهم وخروجهم عن أمر اللّه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 164 ] وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) ( وَإِذْ قالَتْ ) عطف على قوله « إِذْ يَعْدُونَ » ، وحكمه كحكمه في الإعراب ، أي حين قالت ( أُمَّةٌ ) أي جماعة ( مِنْهُمْ ) صالحة للجماعة الذين نهوهم عن أخذ الحيتان بعد يأسهم من توبة الفاسقين بأخذها ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) وقد علمتم ذلك فلا ينفعهم الوعظ ، وكانوا ثلث فرق ، فرقة صادت وفرقة وعظتهم وفرقة لم تصد ولم تنه ( قالُوا ) أي قالت الأمة الواعظة ( مَعْذِرَةً ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، أي موعظتنا إظهار عذر منا « 1 » ( إِلى رَبِّكُمْ ) لئلا ينسب إلينا تقصير ما في النهي عن المنكر ، وبالنصب « 2 » على أنه مفعول له ، أي وعظناهم للمعذرة ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) [ 164 ] أي ولطمعنا أن يخافوا من اللّه وينتهوا عن الفسق . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 165 ] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) ( فَلَمَّا نَسُوا ) أي ترك أهل القرية ( ما ذُكِّرُوا بِهِ ) أي الذي وعظوا به من النهي عن الصيد ( أَنْجَيْنَا ) من العذاب ( الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) وهو أخذ الحيتان في السبت ( وَأَخَذْنَا ) أي عاقبنا ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بترك أمر اللّه ( بِعَذابٍ بَئِيسٍ ) أي شديد ( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) [ 165 ] أي يخرجون عن أمر اللّه ويعصونه ، قرئ « بيس » بكسر الباء وسكون الياء بلا همز كذيب ، و « بَئِيسٍ » بفتح الباء وهمزة مكسورة مع الياء الساكنة كرغيف ، و « بئس » في بئس كقرد ، كسر الباء المنقول من الهمزة بعد سلب الفتحة من الباء وسكون الهمزة ، و « بَئِيسٍ » بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة بعدها كجعفر « 3 » . قال ابن عباس : « ما أدري ما صنع بالفرقة الساكتة » « 4 » ، فقال عكرمة : « نجت الناهية والساكتة لقولهم « لم تعظون قوما اللّه مهلكهم » فهم قد أنكروا عليهم » وقوله تعالى « وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا » الآية ، روي : « أن قوله أعجب ابن عباس فوهب له بردين بسببه » « 5 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 166 ] فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 166 ) ثم قال تعالى ( فَلَمَّا عَتَوْا ) أي تكبروا ( عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ) أي عن امتثال المنهي من الصيد بعد تعذيبهم بعذاب شديد أولا ( قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) [ 166 ] أي مبعدين عن رحمة اللّه ، وهو أمر تحويل لمسخهم آخرا ، وقيل : هو تكرير لقوله « فلما نسوا » والعذاب البئيس هو المسخ « 6 » ، روي : أنهم كانوا يأخذون الحياض في جنب البحر ويسيلون الماء فيها يوم السبت ، فيدخل السمك فيها ، ويأخذونه يوم الأحد ، فقالوا إنما نهينا عن أخذ الصيد يوم السبت ، ونحن نأخذه يوم الأحد ، فلما يعذبوا به استحلوا الأخذ في يوم السبت فظهر عدوانهم به ، به قالوا إنما حرمه اللّه على ابائنا ولم يحرم علينا ، فنهاهم صلحاؤهم ، فلم يمتنعوا فضربوا حائطا بينهم وبين الظلمة ، فأصبحوا يوما من الأيام ، ولم يفتحوا الباب الذي بينهما ، فصعد واحد منهم الحائط ، فإذا القوم قد

--> ( 1 ) منا ، ب س : - م . ( 2 ) « معذرة » : قرأ حفص بنصب التاء ، والباقون برفعها . البدور الزاهرة ، 125 . ( 3 ) « بئس » : قرأ المدنيان بكسر الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة مدية ولا همز لهما ، وقرأ الشامي بكسر الباء الموحدة وبعدها همزة ساكنة ، وقرأ شعبة بخلف عنه بباء موحدة مفتوحة ، وبعدها ياء ساكنة وبعد الياء الساكنة همزة مفتوحة ، والباقون بباء موحدة مفتوحة وبعدها همزة مكسورة ممدودة ، وهو الوجه الثاني لشعبة ، ووقف عليه حمزة بالتسهيل كالياء فقط . البدور الزاهرة ، 125 . ( 4 ) انظر البغوي ، 2 / 560 . ( 5 ) انظر السمرقندي ، 1 / 578 ؛ والبغوي ، 2 / 560 . ( 6 ) وهذا مأخوذ عن الكشاف ، 2 / 143 - 144 .